آخر المستجدات

معظم أفراد الشعب الفلبيني يعانون الجوع والفقر والتشرد


يواجه عشرات الملايين من الفلبينيين الذين لا يملكون أرضاً، يأساً مريعاً ينبع جزئياً من السياسات التي فرضتها القوى التي سيطرت على الأرخبيل قروناً عدة: إسبانيا أولاً، ثم الولايات المتحدة؛ ففي منطقة تتميز بالحراك الصعودي من خلال التصنيع، تبرز الفلبين كدولة لاتزال تعتمد بشكل كبير على الزراعة التي ورثتها عن القوى الاستعمارية. وبعد مرور ما يقرب من 80 عاماً على حصول البلاد على الاستقلال، لاتزال الحقبة الاستعمارية تشكل هيكل اقتصادها.

ولأن الولايات المتحدة اختارت عدم الانخراط في إعادة توزيع الأراضي على نطاق واسع، فإن الأسر التي تعاونت مع السلطات الاستعمارية تحتفظ بالسيطرة على الأراضي وتهيمن على المجال السياسي. إن السياسات التي تم تصميمها لكي تعتمد البلاد على سلع المصانع الأميركية جعلت الفلبين تتمتع بقاعدة صناعية أصغر بكثير من العديد من الاقتصادات في آسيا.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، سيسي كروز: «لقد فرضت الولايات المتحدة إصلاحات زراعية على عدد كبير من البلدان المختلفة في المنطقة، بما في ذلك اليابان، بسبب الحرب العالمية الثانية». ويتابع: «لكن في الفلبين لأن الأثرياء كانوا يقاتلون إلى جانبهم، لم يرغبوا في معاقبة حليفهم اقتصادياً من خلال فرض كل هذه القيود عليهم».

وعلى مدى نصف القرن الماضي، تبنى الزعماء الوطنيون في قسم كبير من شرق وجنوب شرق آسيا استراتيجية تنموية أنقذت مئات الملايين من شعوبهم من الفقر، وجذبوا الاستثمار الأجنبي لبناء صناعات موجهة للتصدير، وحصل المزارعون على دخل أكبر من خلال العمل في المصانع، حيث صنعوا السلع الأساسية مثل المنسوجات والملابس قبل أن يتطوروا إلى الإلكترونيات ورقائق الكمبيوتر والسيارات.

ومع ذلك فإن فرص العمل في المصانع قليلة في معظم أنحاء الفلبين، ما يترك الأشخاص الذين لا يملكون أرضاً تحت رحمة الأسر الثرية التي تسيطر على المزارع. ويشكل التصنيع 17% فقط من الاقتصاد الوطني، مقارنة بـ26% في كوريا الجنوبية، و27% في تايلاند، و28% في الصين، وفقاً لبيانات البنك الدولي. وحتى سريلانكا (20%) وكمبوديا (18%)، وهما من أفقر البلدان في آسيا، لديهما حصص أعلى قليلاً من الفلبين.

إن النقص في التصنيع والتوزيع غير المتوازن للأراضي من أسباب معاناة هذا البلد من الجوع رغم تمتعه بتربة من الأخصب على وجه الأرض، وهذا هو السبب الذي يجعل ما يقرب من خمس هذه الأمة التي يبلغ عدد سكانها 117 مليون نسمة فقراء رسمياً، وربما هذا السبب وراء هجرة ما يقرب من مليوني فلبيني للعمل بالخارج، ويرسلون دفعات نقدية كبيرة إلى الوطن.

أما أولئك الذين يبقون في المناطق الريفية فيزرعون ويحصدون عادةً الأناناس وجوز الهند والموز، ويعملون إلى حد كبير لصالح الأسر الثرية والقوية التي تتحكم في الأرض.

تهيمن الخلافات حول من يملك الأرض على حياة قبيلة مانوبو، وهي قبيلة من السكان الأصليين تعيش في مرتفعات وسط مينداناو، ولأجيال عدة عاش أفراد المجتمع المحلي على ضفاف نهر بولانجي تحت ظلال أشجار الساج والماهوجني، وزرعوا وحصدوا الكسافا واصطادوا الخنازير البرية واصطادوا الأسماك من النهر وشربوا من نبع نقي.

ويقول زعيم المجتمع المحلي، رولاندو أنجلاو، البالغ من العمر 49 عاماً: «لقد دفن أسلافنا هناك. هذه هي الأرض التي ورثناها عنهم»، مشيراً إلى الجانب الآخر من طريق سريع مزدحم، لقد اختفت الغابة، وفي مكانها كانت هناك مزرعة أناناس تمتد على مساحة 3000 فدان تقريباً، وكانت الأرض محاطة بالأسلاك الشائكة وتحرسها فرقة أمنية مسلحة، ووفقاً لأنجلاو استولى مؤسس شركة ديل مونتي لتصدير الفواكه، لويس إف. لورنزو الأب، على أرض القبيلة. كان لورنزر الأب حاكماً سابقاً لمقاطعة دافاو ديل سور في مينداناو، ومسؤولاً تنفيذياً كبيراً في مجموعة الفواكه المتعددة الجنسيات، وابنه لويس بي لورينزو جونيور، المعروف باسم سيتو، هو وزير الزراعة السابق في الفلبين. ويقول أنجلاو إنه في صباح أحد أيام فبراير 2016، وصل نحو 50 رجلاً في شاحنات وبدأوا في إطلاق النار من بنادقهم في الهواء، ما أدى إلى فرار 1490 فرداً من القبيلة.

وكان أنجلاو وزوجته وابناهما من بين 100 أسرة تعيش في أكواخ مبنية بالبلاستيك وألواح الألمنيوم المموج على جانب الطريق السريع. وأضاف أنهم يشربون من آبار ضحلة ملوثة بالتسرب الكيميائي من المزارع المحيطة. كثيراً ما يصاب الأطفال بالدوسنتاريا الأميبية. وتنطلق مقطورات الجرارات في جميع الأوقات، وتطلق أبواقها الهوائية، وتحمل كميات من قصب السكر والأناناس إلى مصانع المعالجة. وعلى مر السنين حاولت القبيلة وفشلت في إقناع المدعين المحليين بمتابعة الاتهامات ضد لورينزو.

هذا العام حصلت القبيلة على سند قانوني من اللجنة الوطنية للشعوب الأصلية، وهي هيئة حكومية، لكن اللجنة لم تسجل السند كوثيقة رسمية بعد. ويقول المحامي في مكتب اللجنة في كاجايان دي أورو، ريكاردو ماتيو، إن لورنزو اتهم القبيلة بدعم التمرد، (جيش الشعب الجديد)، وقد منع ذلك القبيلة من استعادة الأرض من خلال إجراء تحقيق من قبل الجيش الفلبيني. وفي هذه الأثناء لايزال الطوق الأمني قائماً، والقبيلة في الخارج. ويقول أنجلاو: «إنها قوة بابلو لورينزو، إنه فوق القانون».

وفي مقابلة في قاعة المدينة في كويزون، نفى لورنزو الاستيلاء على الأرض، وادعى أن ما قامت به القبيلة هو «عملية احتيال»، مضيفاً: «هؤلاء الناس لم يكونوا على تلك الأرض قط». ومع ذلك أقر بتقديم «مبلغ صغير من المال» للقبيلة للتخلي عن مطالباتها. وقال لورنزو إن ثروة عائلته تعود إلى جده الذي كان يعمل محامياً للشركات ويمثل المستثمرين الأميركيين. وأضاف أنه يملك شخصياً ما بين 15 إلى 20% من الشركة التي طورت المزرعة.

لم يخلق الأميركيون حالة التفاوت التي تميز الاقتصاد الفلبيني، فقد سمحت السلطات الإسبانية للمبشرين المسيحيين بالاستيلاء على الأراضي بينما أجبرت السكان الأصليين على دفع دفعات إيجار باهظة، ولكن بعد أن استولت الولايات المتحدة على الأرخبيل في أعقاب الحرب مع إسبانيا في عام 1898، عززت الإدارة الاستعمارية سيطرتها غير المتكافئة على الأرض من خلال السياسة التجارية.

وتمكنت مشاريع الأعمال التجارية الزراعية في الفلبين من الوصول إلى السوق الأميركية دون رسوم جمركية. وفي المقابل حصلت الصناعة الأميركية على حق تصدير السلع المصنعة إلى الفلبين دون رسوم جمركية، فالرسوم الجمركية المفروضة على الدول الأخرى حالت دون تصدير المنتجات لبقية العالم.

ويقول المؤرخ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ليساندرو كلاوديو، إن الولايات المتحدة استخدمت الفلبين كمختبر للسياسات الاقتصادية التي كانت مثيرة للجدل في الداخل، ومن بينها ربط قيمة العملة الوطنية بالذهب، وأدى ذلك إلى إبقاء البيزو الفلبيني قوياً في مقابل الدولار، الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعار السلع الأميركية وتثبيط إنشاء الصناعة الوطنية.


تعليقات